أهم الأخبارالعرض في الرئيسةتحليلات

إعادة التفكير في سردية اليمن القديم: نقد معرفي لمنهج التأريخ في كتاب “تاريخ اليمن القديم” لـ”محمد عبدالقادر بافقيه”

يمنات

فارس العليّ

الملخص التنفيذي
تتناول هذه الدراسة بالنقد المعرفي منهج كتابة التاريخ في كتاب “تاريخ اليمن القديم” لمحمد عبدالقادر بافقيه، بوصفه أحد أكثر المراجع حضورًا في تشكيل الوعي المعاصر بتاريخ اليمن القديم.

وتنطلق الورقة من فرضية مفادها أن الإشكال في هذا العمل لا يكمن في مادته المعرفية أو جهده التوثيقي، بل في البنية المنهجية والسردية التي أُعيد من خلالها تنظيم الماضي وتحويله إلى خطاب تاريخي ذي منطق خطي ومعايير حديثة.

تعتمد الدراسة مقاربة تحليلية مقارنة، تدمج بين نقد السرد التاريخي، وتحليل المفاهيم الضمنية، ومساءلة آليات الانتقاء والتفسير، مع الاستفادة من منجزات الدراسات الأثرية والنقشية الحديثة.

وتُظهر الورقة أن منهج بافقيه يستبطن تصورات معيارية حول الدولة، والتطور، والهوية، تُسقط مفاهيم حديثة على مجتمعات قديمة ذات بنى مختلفة، ما يؤدي إلى إنتاج سردية متماسكة لكنها اختزالية.

وتخلص الدراسة إلى أن إعادة قراءة تاريخ اليمن القديم تتطلب تجاوز النموذج السياسي المركزي، والانفتاح على مقاربات تعددية ترى الماضي بوصفه فضاءً مركبًا، تتداخل فيه البنى الاجتماعية، والاقتصادية، والبيئية، والرمزية. وتؤكد الورقة أن النقد المعرفي للتأريخ ليس تقويضًا للمنجز، بل شرطًا لتطويره وتحريره من بداهاته.

الكلمات المفتاحية (Keywords)
اليمن القديم – كتابة التاريخ – النقد المعرفي – السرد التاريخي – محمد عبدالقادر بافقيه – النقوش – الدراسات الأثرية

المقدمة
لا تُكتب التواريخ فقط لتسجيل الماضي، بل لتأطيره، وتنظيم معناه، ومنحه قابلية الفهم ضمن أفق معرفي محدد. ومن هذا المنطلق، لا يمكن التعامل مع كتب التاريخ بوصفها مرايا محايدة للوقائع، بل بوصفها نصوصًا تفسيرية تُنتج سرديات، وتبني تصورات، وتؤسس لما يمكن تسميته “المعقول التاريخي” في وعي القرّاء.

ويندرج كتاب “تاريخ اليمن القديم” لمحمد عبدالقادر بافقيه ضمن هذا الأفق، بوصفه عملًا مرجعيًا أسهم بعمق في تشكيل السردية العربية المعاصرة عن اليمن قبل الإسلام.

يمثل الكتاب جهدًا علميًا كبيرًا في جمع وتحليل المادة النقشية والأثرية، غير أن حضوره الواسع يفرض مساءلته ليس فقط من زاوية صحة المعلومات، بل من زاوية المنهج الذي نظّم هذه المعلومات داخل سردية كلية. فالسؤال المركزي الذي تنطلق منه هذه الدراسة ليس: هل أخطأ بافقيه في الوقائع؟ بل: كيف كُتب هذا التاريخ؟ وبأي مفاهيم؟ ولمصلحة أي تصور عن الماضي؟
تنطلق الورقة من مقاربة نقدية ترى في التأريخ ممارسة معرفية مشروطة بسياقاتها الفكرية، وتفترض أن كثيرًا من إشكاليات كتابة تاريخ اليمن القديم تعود إلى إسقاط نماذج تفسيرية حديثة على مجتمعات قديمة، وإلى مركزية السرد السياسي على حساب البنى الاجتماعية والثقافية الأوسع.

ومن هنا، تسعى الدراسة إلى تفكيك المنهج السردي والمعرفي في كتاب بافقيه، ووضعه في حوار مع اتجاهات أخرى في دراسة اليمن القديم، من أجل فتح أفق بديل لقراءة هذا الماضي خارج القوالب الجاهزة.

الإطار النظري والمنهجي للدراسة
تنطلق هذه الدراسة من مقاربة نقدية متعددة المستويات، تجمع بين تحليل السرد التاريخي، والنقد المعرفي للمفاهيم، والمقارنة المنهجية بين نماذج مختلفة لكتابة تاريخ اليمن القديم. ولا تتعامل الورقة مع التاريخ بوصفه سجلًا للوقائع، بل بوصفه خطابًا معرفيًا تُنتج من خلاله معانٍ، وتُرسَّخ عبره تصورات معينة عن الماضي.

تعتمد الدراسة، على المستوى النظري، على منجزات النقد المعاصر لعلم التاريخ، ولا سيما تلك التي ترى في السرد عنصرًا تأسيسيًا في بناء المعنى التاريخي، لا مجرد أداة عرض. فالتاريخ، وفق هذه المقاربة، لا يُكتب خارج اللغة، ولا يُفهم خارج الأطر المفاهيمية التي تنظّم الزمن، والفاعلية، والسببية.

ومن هنا، يصبح تحليل المفاهيم المستخدمة في الكتابة التاريخية جزءًا لا يتجزأ من تحليل الوقائع نفسها.

أما على المستوى المنهجي، فتتبنى الورقة منهجًا تحليليًا نقديًا، يقوم على تفكيك النص محل الدراسة، وتتبع بنيته السردية، وتحليل مفاهيمه المركزية، ورصد آليات الانتقاء والتفسير فيه. كما تعتمد الدراسة المقارنة بوصفها أداة أساسية، من خلال وضع منهج بافقيه في حوار مع اتجاهات أخرى في دراسة اليمن القديم، سواء في المدرسة الاستشراقية الكلاسيكية أو في الدراسات الأثرية والنقشية الحديثة.

ولا تهدف هذه المقاربة إلى نفي صحة المادة التاريخية التي يعرضها الكتاب، بل إلى مساءلة الطريقة التي جرى من خلالها تنظيم هذه المادة داخل سردية كلية. فالنقد هنا لا يستهدف الوقائع، بل شروط إنتاج المعنى التاريخي، وحدود التفسير، وما ينتجه المنهج من صورة عن الماضي.

السياق الأدبي والدراسات السابقة
يحظى تاريخ اليمن القديم بحضور لافت في الأدبيات الأكاديمية العربية والغربية، غير أن هذا الحضور يتسم بتفاوت واضح في المنهج والاهتمام. فقد ركزت الدراسات المبكرة، خاصة تلك التي أنجزها باحثون أوروبيون في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، على جمع النقوش وتحليلها لغويًا وتاريخيًا، مع اهتمام خاص بالتسلسل الزمني للممالك والأنظمة السياسية.

في السياق العربي، مثّل كتاب بافقيه محاولة مبكرة لتقديم سردية شاملة عن اليمن القديم باللغة العربية، تستند إلى المادة النقشية ذاتها، لكنها تُعاد صياغتها ضمن خطاب أكاديمي موجه إلى القارئ العربي. وقد أسهم هذا العمل في سد فجوة معرفية مهمة، لكنه في الوقت نفسه أعاد إنتاج كثير من افتراضات المدرسة الاستشراقية، وإن بصيغة محلية.

أما الدراسات الأحدث، فقد شهدت تحولات ملحوظة، خصوصًا مع تطور علم الآثار، واعتماد مقاربات متعددة التخصصات، تشمل الجغرافيا التاريخية، والأنثروبولوجيا، ودراسة أنماط الاستيطان، والاقتصاد القديم. وقد أدت هذه التحولات إلى التشكيك في كثير من السرديات الخطية، وإلى إبراز الطابع المركب واللامركزي للمجتمعات اليمنية القديمة.

غير أن هذه التحولات لم تنعكس بالقدر نفسه في الكتابات العربية العامة عن اليمن القديم، التي لا تزال، في معظمها، أسيرة النموذج السياسي المركزي. ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة، بوصفها محاولة لردم هذه الفجوة، عبر مساءلة أحد أكثر الأعمال تأثيرًا في هذا المجال.

نقد مفهوم الدولة في كتاب بافقيه
يُعد مفهوم الدولة من أكثر المفاهيم حضورًا وتأثيرًا في السرد التاريخي لكتاب بافقيه. إذ تُقدَّم الممالك اليمنية القديمة بوصفها كيانات سياسية متماسكة، تمتلك مؤسسات، وحدودًا، وقدرة على فرض السلطة. غير أن هذا الاستخدام للمفهوم ينطوي على إشكالية معرفية، تتمثل في إسقاط نموذج حديث نسبيًا على تشكيلات سياسية قديمة تختلف جذريًا في بنيتها ووظائفها.

الدولة، في السياق الحديث، تفترض مركزية السلطة، واحتكار العنف، وبنية إدارية مستقرة، في حين تشير الأدلة الأثرية والنقشية إلى أن التنظيم السياسي في اليمن القديم كان أكثر مرونة وتعددًا، ويتداخل فيه الديني بالقبلي بالمحلي. وبهذا، فإن استخدام مفهوم الدولة بوصفه أداة تفسيرية ثابتة قد يحجب أكثر مما يكشف.

يؤدي هذا الإسقاط المفاهيمي إلى إعادة ترتيب الماضي وفق منطق معاصر، يجعل من الممالك وحدات متجانسة، ويقلل من أهمية البنى المحلية والفاعلين غير الرسميين. كما يُنتج تصورًا للتاريخ بوصفه تاريخ نشوء الدولة وتطورها، لا تاريخ المجتمع بكل تعقيداته.

نقد مفهومي التطور والانحطاط في السرد التاريخي
يُشكّل مفهوما التطور والانحطاط محورين ضمنيين في بناء السرد التاريخي لدى بافقيه، حيث تُقرأ تحولات اليمن القديم ضمن منطق تصاعدي يتجه نحو الازدهار، يعقبه تراجع أو أفول. وعلى الرغم من أن هذا الإطار يبدو بديهيًا في ظاهرِه، إلا أنه يستبطن رؤية معيارية للتاريخ، تفترض وجود مسار “طبيعي” للتقدم، تُقاس عليه المجتمعات القديمة.

تكمن الإشكالية في أن هذا التصور يستعير نموذجًا حداثيًا للتاريخ، تشكّل في سياقات أوروبية خاصة، ويُسقطه على مجتمعات تختلف في بنيتها الاقتصادية، وأنماط إنتاجها، وعلاقتها بالبيئة والسلطة. فالتغير في اليمن القديم لا يمكن اختزاله في ثنائية الازدهار والانحطاط، بقدر ما ينبغي فهمه بوصفه تحولات في أنماط التنظيم، وإعادة توزيع للسلطة، وتكيفًا مع شروط بيئية وتجارية متغيرة.

كما أن ربط “الانحطاط” غالبًا بتراجع السلطة المركزية أو ضعف الممالك الكبرى يُغفل إمكانية أن تكون هذه التحولات قد مثّلت، في بعض السياقات، إعادة توزيع للفاعلية لصالح البنى المحلية، أو تحولًا في أنماط العيش والاقتصاد، لا انهيارًا حضاريًا بالمعنى القيمي.

الهوية التاريخية بين الاستمرارية والاختزال
يتعامل السرد في كتاب بافقيه مع الهوية اليمنية القديمة بوصفها كيانًا متماسكًا نسبيًا، يمتد عبر الزمن مع قدر من الاستمرارية الثقافية والسياسية. ورغم أهمية هذا الطرح في مواجهة التصورات التي تُجزّئ تاريخ اليمن أو تُهمّشه، إلا أنه ينطوي على خطر معرفي يتمثل في اختزال التعدد لصالح الوحدة.

الهوية، في منظور تاريخي نقدي، ليست معطى ثابتًا، بل بناءً متغيرًا، يتشكل عبر الصراعات، والتفاعلات، والقطائع، بقدر ما يتشكل عبر الاستمرارية. غير أن السرد الخطي يميل إلى تسوية هذه التوترات، وإعادة تقديم الماضي بوصفه قصة متجانسة، تُخفَّف فيها حدة الاختلافات الداخلية.

يؤدي هذا التصور إلى تهميش الهويات المحلية، والاختلافات القبلية، والدينية، واللغوية، التي كانت جزءًا أصيلًا من بنية المجتمع اليمني القديم، ويُعاد دمجها ضمن إطار هوية كلية واحدة، تُقرأ غالبًا من منظور لاحق على زمنها.

النقوش بين المصدر والتأويل
تحتل النقوش مكانة مركزية في منهج بافقيه، إذ تُعامل بوصفها مصادر أولية مباشرة تكشف عن الوقائع السياسية والدينية والاقتصادية. غير أن القراءة الغالبة لهذه النقوش تميل إلى الطابع التقريري، حيث تُستخلص منها المعلومات دون مساءلة كافية لسياق إنتاجها، أو لوظيفتها الخطابية.

النقش ليس مجرد تسجيل محايد للحدث، بل نص مُنتَج ضمن سياق سلطوي ورمزي محدد، يخاطب جمهورًا معينًا، ويخدم أهدافًا سياسية أو دينية.

وتجاهل هذا البعد التأويلي يُفضي إلى قراءة أحادية للنقوش، تُضخِّم خطاب السلطة، وتُقصي أصواتًا أخرى لا تملك وسيلة التدوين ذاتها.

تؤكد الدراسات النقشية المعاصرة على ضرورة قراءة هذه النصوص بوصفها خطابات، لا وثائق صامتة، وهو ما يستدعي دمج أدوات تحليل الخطاب والسياق الاجتماعي في تفسيرها.

مقارنة موسعة: بين بافقيه والدراسات الحديثة
عند مقارنة منهج بافقيه بالدراسات الأثرية والنقشية الحديثة، يتضح أن التحول الأبرز يكمن في الانتقال من السرد السياسي المركزي إلى مقاربات أكثر تعددية. فبينما يركّز بافقيه على الممالك بوصفها وحدات تحليل أساسية، تميل الدراسات الحديثة إلى تحليل أنماط الاستيطان، وشبكات التجارة، والعلاقة بالبيئة، بوصفها مفاتيح لفهم التغير التاريخي.

كما تُبرز هذه الدراسات الطابع اللامركزي للتنظيم السياسي، وتُعيد النظر في مفهوم “المملكة” ذاته، بوصفه شبكة علاقات أكثر منه كيانًا متماسكًا بالمعنى الحديث.

لا يمكن تقييم منهج بافقيه بوصفه حالة معزولة، بل ينبغي وضعه في حوار مع أنماط أخرى من كتابة تاريخ اليمن القديم، سواء في المدرسة الاستشراقية الكلاسيكية أو في الدراسات الأثرية والنقشية المعاصرة. فهذه المقارنة لا تهدف إلى المفاضلة بين “صحيح” و”خطأ”، بل إلى إبراز اختلاف طرائق إنتاج المعنى التاريخي.

في المدرسة الاستشراقية المبكرة، مثل أعمال غلازر وبيستون وروبن، نجد تركيزًا شديدًا على المادة النقشية بوصفها مدخلًا لفهم البنى السياسية واللغوية، مع ميل إلى تصنيف المجتمعات القديمة ضمن نماذج تطورية مستمدة من تاريخ الشرق الأدنى. وعلى الرغم من الطابع العلمي لهذه الجهود، فإنها كثيرًا ما قرأت اليمن القديم من منظور خارجي، أسقط عليه تصورات جاهزة عن المركز والأطراف، وعن “التقدم” و”البدائية”.

أما الدراسات الأثرية الحديثة، فقد أحدثت تحولًا مهمًا في هذا المجال، إذ لم تعد ترى في النصوص وحدها مفاتيح الفهم، بل دمجت المعطيات المعمارية، والبيئية، والاقتصادية، وأنماط الاستيطان، في بناء صورة أكثر تعقيدًا عن الماضي.

ونتيجة لذلك، باتت كثير من الفرضيات السياسية الكبرى موضع مراجعة، لصالح قراءات تبرز التعدد، واللامركزية، وتفاوت أنماط التنظيم الاجتماعي.

يقف بافقيه في منطقة وسطى بين هذين الاتجاهين. فهو يستفيد من منجزات المدرسة الاستشراقية في جمع المادة وتحليلها، لكنه يعيد تقديمها ضمن سردية عربية تسعى إلى استعادة الماضي ضمن إطار هوية تاريخية متماسكة. غير أن هذا التوفيق لا يخلو من توترات: فهو يتبنى مفاهيم حديثة عن الدولة والتطور، وفي الوقت نفسه يحاول إضفاء طابع أصيل على هذه السردية.

تكشف هذه المقارنة أن الاختلاف بين هذه المقاربات لا يكمن فقط في الوقائع، بل في تصورات الزمن، والفاعلية، والمعنى، وهي اختلافات جوهرية في فهم ما هو “التاريخ” أصلًا.

النتائج التحليلية والمساهمة المعرفية للدراسة
تُظهر هذه الدراسة أن كتاب تاريخ اليمن القديم لمحمد عبدالقادر بافقيه لا يمكن قراءته بوصفه مجرد تجميع علمي للمادة النقشية والأثرية، بل بوصفه نصًا مؤسِّسًا لسردية تاريخية عربية عن اليمن القديم، ذات منطق معرفي خاص. وتتمثل النتيجة المركزية للدراسة في أن الإشكال الرئيس في هذا العمل لا يكمن في أخطائه الجزئية أو محدودية مصادره، بل في البنية المنهجية التي أعادت تنظيم الماضي داخل إطار مفاهيمي حديث.

أولًا، تبيّن الدراسة أن السرد التاريخي في الكتاب قائم على تصور خطي للزمن، يُعيد ترتيب التحولات التاريخية ضمن تسلسل تصاعدي ثم تنازلي، بما يُنتج صورة للتاريخ بوصفه مسارًا ذا غاية، لا فضاءً متعدد الإيقاعات. ويؤدي هذا التصور إلى تسطيح التعقيد الزمني للمجتمعات القديمة، وإلى إقصاء أشكال التعايش بين أنماط مختلفة من التنظيم الاجتماعي والسياسي.

ثانيًا، تكشف الدراسة أن اعتماد مفاهيم مثل الدولة، والتطور، والانحطاط، والهوية المستقرة، بوصفها أدوات تفسيرية غير مُسائلة، أسهم في إسقاط نماذج تحليلية حديثة على مجتمعات قديمة تختلف في بنيتها ووظائفها. وبهذا، لم يُقرأ اليمن القديم من داخله بقدر ما أُعيدت صياغته ليكون قابلًا للفهم ضمن أفق معرفي معاصر.

ثالثًا، تُظهر الورقة أن التعامل مع النقوش بوصفها مصادر تقريرية مباشرة، دون تفكيك خطابها وسياق إنتاجها، أدى إلى تضخيم صوت السلطة السياسية والدينية، على حساب الفاعلين الاجتماعيين غير المُمثَّلين في النصوص المكتوبة. وهذا ما عزّز مركزية السرد السياسي، وقلّل من إمكان قراءة التاريخ بوصفه تاريخًا للمجتمع لا للدولة فقط.

على هذا الأساس، تتمثل المساهمة المعرفية للدراسة في نقل النقاش حول تاريخ اليمن القديم من مستوى “صحة الوقائع” إلى مستوى “شروط إنتاج السرد التاريخي”، وهو انتقال ضروري لتطوير هذا الحقل البحثي، ولفتحه على مقاربات أكثر تعددية وتعقيدًا.

الخاتمة
لا تسعى هذه الدراسة إلى نزع الشرعية عن كتاب تاريخ اليمن القديم أو التقليل من قيمته العلمية، بل إلى وضعه داخل أفق نقدي يرى في الكتابة التاريخية ممارسة معرفية قابلة للمساءلة والتطوير.

وبافقيه قدّم عملًا مرجعيًا أسهم في سد فجوة معرفية حقيقية في المكتبة العربية، غير أن حضوره الواسع يجعل نقده ضرورة علمية، لا خيارًا جدليًا.
تُبرز الدراسة أن تاريخ اليمن القديم لا يمكن اختزاله في سردية واحدة، ولا في نموذج تفسيري مركزي، بل ينبغي النظر إليه بوصفه فضاءً مركبًا، تتداخل فيه البنى السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والبيئية، والرمزية. ومن هنا، فإن تطوير كتابة هذا التاريخ يقتضي تجاوز النموذج السياسي الخطي، والانفتاح على مناهج متعددة التخصصات، قادرة على استيعاب هذا التعقيد.

وأخيرًا، تؤكد الورقة أن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس: كيف نثبت الماضي؟ بل: كيف نعيد التفكير في طرق روايته؟ لأن إعادة التفكير في السرد التاريخي ليست مراجعة للماضي فحسب، بل إعادة تعريف لعلاقتنا به، ولمكانه في الوعي المعاصر.

زر الذهاب إلى الأعلى